وهبة الزحيلي

12

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

مُعْرِضُونَ فنفض يده من البنيان ، وقال : واللّه ، لا بنيت أبدا وقد اقترب الحساب . وفي الآية دليل على قرب القيامة ، لذا قال صلّى اللّه عليه وسلم فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس : « بعثت أنا والساعة كهاتين » . ثم استدل اللّه تعالى على غفلة الناس ، فقال : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ أي ما يأتي أولئك الكفار من قريش وأشباههم من قرآن جديد إنزاله ، ينزل سورة سورة ، وآية آية ، على وفق المناسبات والوقائع ، إلا استمعوه وهم لاهون ساخرون مستهزءون ، متشاغلة قلوبهم عن التأمل وتفهم معناه . وهذا ذم صريح للكفار ، وزجر لأمثالهم عن تعطيل الانتفاع بما يحقق لهم السعادة في الدنيا والآخرة . وقوله مُحْدَثٍ لا يوهم كون القرآن مخلوقا ، فإن الحروف المنطوق بها ، والصوت المسموع حادث بلا شك ، وأما أصل القرآن الذي هو كلام اللّه تعالى النفسي فهو قديم بقدم اللّه تعالى وصفاته القدسية . ثم وصف اللّه تعالى موقف الكفار عند نزول القرآن فقال : وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي وأخفوا التناجي والكلام فيما بينهم ، بل وبالغوا في الإخفاء حتى لا يطلع أحد على تناجيهم ، قائلين : هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ؟ أي هل محمد صلّى اللّه عليه وسلم إلا بشر كغيره من الناس ، أمثالكم في تكوينه وعقله وتفكيره ، فكيف يختص بالرسالة دونكم ؟ وهذا ناشئ من اعتقادهم أن الرسول النبي لا يكون إلا ملكا ، وأن كل من ادّعى الرسالة من